محمد بن جرير الطبري
227
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
في آذانهم من الصواعق حذر الموت ) يعني بذلك يتقون وعيد الله الذي أنزله بفي كتابه على لسان رسوله صلى الله عليه بما يبدونه بألسنتهم من ظاهر الاقرار ، كما يتقي الخائف أصوات الصواعق بتغطية أذنيه وتصيير أصابعه فيها حذرا على نفسه منها . وقد ذكرنا الخبر الذي روي عن ابن مسعود وابن عباس أنهما كانا يقولان : إن المنافقين كانوا إذا حضروا مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم أدخلوا أصابعهم في آذانهم فرقا من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل فيهم شئ ، أو يذكروا بشئ فيقتلوا . فإن كان ذلك صحيحا ، ولست أعلمه صحيحا ، إذ كنت بإسناده مرتابا ، فإن القول الذي روي عنهما هو القول . وإن يكن غير صحيح ، فأولى بتأويل الآية ما قلنا ، لان الله إنما قص علينا من خبرهم في أول مبتدأ قصصهم أنهم يخادعون الله ورسوله والمؤمنين بقولهم آمنا بالله وباليوم الاخر ، مع شك قصصهم أنهم يخادعون الله ورسوله والمؤمنين بقولهم آمنا بالله وباليوم الاخر ، مع شك قلوبهم ومرض أفئدتهم في حقيقة ما زعموا أنهم به مؤمنون مما جاءهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند ربهم ، وبذلك وصفهم في جميع آي القرآن التي ذكر فيها صفتهم . فكذلك ذلك في هذه الآية . وإنما جعل الله إدخالهم أصابعهم في آذانهم مثلا لاتقائهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بما ذكرنا أنهم يتقون به كما يتقي سامع صوت الصاعقة بإدخال أصابعه في أذنيه . وذلك من المثل نظير تمثيل الله جل ثناؤه ما أنزل فيهم من الوعيد في آي كتابه بأصوات الصواعق ، وكذلك قوله : ( حذر الموت ) جعله جل ثناؤه مثلا لخوفهم وإشفاقهم من حلول عاجل العقاب المهلك الذي توعده بساحتهم ، كما يجعل سامع أصوات الصواعق أصابعه في أذنيه حذر العطب والموت على نفسه أن تزهق من شدتها . وإنما نصب قوله : ( حذر الموت ) على نحو ما تنصب به التكرمة في قولك : زرتك تكرمة لك ، تريد بذلك : من أجل تكرمتك ، وكما قال جل ثناؤه : ( ويدعوننا رغبا ورهبا ) ( 1 ) على التفسير للفعل ( 2 ) . وقد روي عن قتادة أنه كان يتأول قوله : ( حذر الموت ) : حذرا من الموت . 390 - حدثنا بذلك الحسن بن يحيى ، قال : حدثنا عبد الرزاق ، قال : أنبأنا معمر عنه . وذلك مذهب من التأويل ضعيف ، لان القوم لم يجعلوا أصابعهم في آذانهم حذرا من الموت فيكون معناه ما قال إنه مراد به حذرا من الموت ، وإنما جعلوها من حذار الموت في آذانهم .
--> ( 1 ) سورة الأنبياء ، الآية : 90 . ( 2 ) أي مفعول لأجله .